محمد بن جرير الطبري

143

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

حتى فتح ما أدخله فيه ، ورد إليهم أرواحهم في أجسامهم من الغد حين أصبحوا ، فبعثوا أحدهم بورق يشتري طعاما ؛ فلما أتى باب مدينتهم ، رأى شيئا ينكره ، حتى دخل على رجل فقال : بعني بهذه الدراهم طعاما ، فقال : ومن أين لك هذه الدراهم ؟ قال : خرجت أنا وأصحاب لي أمس ، فآوانا الليل ، ثم أصبحوا ، فأرسلوني ، فقال : هذه الدراهم كانت على عهد ملك فلان ، فأني لك بها ؟ فرفعه إلى الملك ، وكان ملكا صالحا ، فقال : من أين لك هذه الورق ؟ قال : خرجت أنا وأصحاب لي أمس ، حتى أدركنا الليل في كهف كذا وكذا ، ثم أمروني أن أشتري لهم طعاما ؛ قال : وأين أصحابك ؟ قال : في الكهف ؛ قال : فانطلقوا معه حتى أتوا باب الكهف ، فقال : دعوني أدخل على أصحابي قبلكم ؛ فلما رأوه ، ودنا منهم ضرب على أذنه وآذانهم ، فجعلوا كلما دخل رجل أرعب ، فلم يقدروا على أن يدخلوا عليهم ، فبنوا عندهم كنيسة ، اتخذوها مسجدا يصلون فيه . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، عن عكرمة ، قال : كان أصحاب الكهف أبناء ملوك الروم ، رزقهم الله الإسلام ، فتعوذوا بدينهم ، واعتزلوا قومهم ، حتى انتهوا إلى الكهف ، فضرب الله على سمعهم ، فلبثوا دهرا طويلا ، حتى هلكت أمتهم ، وجاءت أمة مسلمة ، وكان ملكهم مسلما ، فاختلفوا في الروح والجسد ، فقال قائل : يبعث الروح والجسد جميعا ؛ وقال قائل : يبعث الروح ، فأما الجسد فتأكله الأرض ، فلا يكون شيئا ؛ فشق على ملكهم اختلافهم ، فانطلق فلبس المسوح ، وجلس على الرماد ، ثم دعا الله تعالى فقال : أي رب ، قد ترى اختلاف هؤلاء ، فابعث لهم آية تبين لهم ، فبعث الله أصحاب الكهف ، فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاما ، فدخل السوق ، فجعل ينكر الوجوه ، ويعرف الطرق ، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهرا ، فانطلق وهو مستخف حتى أتى رجلا يشتري منه طعاما ؛ فلما نظر الرجل إلى الورق أنكرها ، قال : حسبت أنه قال : كأنها أخفاف الربع ، يعني الإبل الصغار ، فقال له الفتى : أليس ملككم فلانا ؟ قال : بل ملكنا فلان فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك ، فسأله ، فأخبره الفتى خبر أصحابه ، فبعث الملك في الناس ، فجمعهم ، فقال : إنكم قد اختلفتم في الروح والجسد ، وإن الله قد بعث لكم آية ، فهذا رجل من قوم فلان ، يعني ملكهم الذي مضى ، فقال الفتى : انطلقوا بي إلى أصحابي ؛ فركب الملك ، وركب معه الناس حتى انتهوا إلى الكهف ؛ فقال الفتى دعوني أدخل إلى أصحابي ، فلما أبصرهم ضرب على أذنه وعلى آذانهم ؛ فلما استبطؤوه دخل الملك ، ودخل الناس معه ، فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئا ، غير أنها لا أرواح فيها ، فقال الملك : هذه آية بعثها الله لكم . قال قتادة : وعن ابن عباس ، كان قد غزا مع حبيب بن مسلمة ، فمروا بالكهف ، فإذا فيه عظام ، فقال رجل : هذه عظام أصحاب الكهف ، فقال ابن عباس : لقد ذهبت عظامهم منذ أكثر من ثلاث مئة سنة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق فيما ذكر من حديث أصحاب الكهف ، قال : ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له تيذوسيس ؛ فلما ملك بقي ملكه ثمانيا وستين سنة ، فتحزب الناس في ملكه ، فكانوا أحزابا ، فمنهم من يؤمن بالله ، ويعلم أن الساعة حق ، ومنهم من يكذب ، فكبر ذلك على الملك الصالح تيذوسيس ، وبكى إلى الله وتضرع إليه ، وحزن حزنا شديدا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق ويقولون : لا حياة إلا الحياة الدنيا ، وإنما تبعث النفوس ، ولا تبعث الأجساد ، ونسوا ما في الكتاب ؛ فجعل تيذوسيس يرسل إلى من يظن فيه خيرا ، وأنهم أئمة في الحق ، فجعلوا يكذبون بالساعة ، حتى كادوا أن يحولوا الناس عن الحق وملة الحواريين ؛ فلما رأى ذلك الملك الصالح تيذوسيس ، دخل بيته فأغلقه عليه ، ولبس مسحا وجعل تحته رمادا ، ثم جلس عليه ، فدأب ذلك ليله ونهاره زمانا يتضرع إلى الله ، ويبكي إليه مما يرى فيه الناس ؛ ثم إن الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العباد ، أراد أن يظهر على الفتية أصحاب الكهف ، ويبين للناس شأنهم ، ويجعلهم آية لهم ، وحجة عليهم ، ليعلموا أن الساعة آتية